"حكاية الطفرة السعودية في السبعينيات: د. عبدالله الغذامي يكشف التغيرات الداخلية في مخيال (الجزء الثاني)"
طفرة السبعينيات في السعودية والتحولات الاقتصادية التي غيرت شكل الحياة
عودة عبدالله الغذامي من بريطانيا وصدمة الغلاء وارتفاع أسعار العقارات
في الجزء الثاني من لقاء د. عبدالله الغذامي في برنامج «مخيال»، تنتقل الرحلة من السيرة الشخصية والفكرية إلى مرحلة شديدة الأهمية في تاريخ المملكة العربية السعودية، وهي مرحلة الطفرة الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال سبعينيات القرن العشرين.
عاش الغذامي جزءًا كبيرًا من هذه المرحلة خارج المملكة، بعد ابتعاثه إلى بريطانيا عام 1971 لمتابعة دراساته العليا في جامعة إكستر، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه عام 1978 ويعود إلى السعودية. وتوضح سيرته المنشورة أنه عاد بعدها للعمل الأكاديمي في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، حيث شارك لاحقًا في تأسيس قسم اللغة العربية وعدد من المشروعات العلمية والثقافية.
لكن السعودية التي عاد إليها لم تكن، وفق شهادته، هي نفسها التي غادرها قبل سنوات.
كانت البلاد قد دخلت مرحلة من التحول الاقتصادي السريع، نتيجة الارتفاع الكبير في إنتاج النفط وأسعاره وزيادة إيرادات الدولة. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الإيرادات النفطية الحكومية السعودية بلغت نحو 949 مليون دولار عام 1969، ثم ارتفعت إلى نحو 2.8 مليار دولار عام 1972، وإلى ما يقدر بنحو 4.3 مليار دولار عام 1973. كما ارتفع سعر النفط بصورة حادة بعد تطورات سوق الطاقة العالمية في أواخر عام 1973.
هذا التدفق المالي الكبير انعكس على الحياة الاقتصادية داخل المملكة. توسعت المشروعات الحكومية، وزاد الإنفاق على البنية التحتية والتعليم والنقل والخدمات، كما ارتفع الطلب على العقارات والعمالة والمواد والخدمات المختلفة.
ومن هنا تأتي الصدمة التي يصفها الغذامي عند عودته من بريطانيا، عندما وجد أن أسعار العقارات وتكاليف الحياة تغيرت بدرجة كبيرة مقارنة بما يتذكره قبل سفره.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها لأنها تقدم الطفرة الاقتصادية من زاوية فردية. فالأرقام تتحدث عن ارتفاع الإيرادات وزيادة الاستثمارات، لكن الإنسان الذي يعود بعد سنوات إلى وطنه يلاحظ التحول بصورة مختلفة: أسعار جديدة، أنماط استهلاك جديدة، توسع عمراني سريع، وفرص اقتصادية لم تكن موجودة بالشكل نفسه قبل سنوات قليلة.
وتشير دراسات صندوق النقد الدولي في تلك الفترة إلى أن ارتفاع الإنفاق العام أدى إلى توسع كبير في النشاط الاقتصادي، لكنه تسبب أيضًا في ضغوط تضخمية نتيجة زيادة الطلب بسرعة أكبر من قدرة بعض القطاعات المحلية على توفير السلع والخدمات. وفي عام 1974/1975 وصل معدل نمو الناتج المحلي غير النفطي الحقيقي في السعودية إلى نحو 14%، بالتزامن مع توسع واسع في الإنفاق الحكومي.
لهذا فإن الغلاء الذي يصفه الغذامي لم يكن ظاهرة منفصلة عن الطفرة، بل كان من الآثار المصاحبة لسرعة التحول الاقتصادي وزيادة الإنفاق والاستثمارات.
إيرادات النفط وخطط التنمية وبناء السعودية الحديثة في السبعينيات
لم تكن الطفرة النفطية السعودية مجرد زيادة في الأموال المتاحة للدولة، بل تزامنت مع مشروع واسع لتطوير البنية الأساسية والقطاعات الحكومية.
بدأت أول خطة تنمية خمسية سعودية للفترة 1970/1971 إلى 1974/1975، وكان من أهدافها تسريع النمو الاقتصادي، وتنمية الموارد البشرية، وتطوير البنية الاجتماعية، وتنويع الاقتصاد لتقليل الاعتماد على النفط.
وخصصت الخطة مبالغ كبيرة لقطاعات مثل التعليم والتدريب والنقل والاتصالات والخدمات العامة والصحة والتنمية الحضرية.
وتشير البيانات التي نشرها صندوق النقد الدولي عن الخطة الأولى إلى أن التعليم والتدريب والشؤون الثقافية حصلت على نسبة كبيرة من المخصصات، إلى جانب النقل والاتصالات وتطوير المدن والمرافق العامة.
لكن التحول الأكبر جاء بعد الزيادة الحادة في إيرادات النفط في النصف الأول من السبعينيات.
فقد ارتفع الإنفاق الحكومي السعودي بصورة كبيرة، وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن إجمالي الإنفاق في الميزانية زاد بنحو 260% خلال عامين وصولًا إلى السنة المالية 1974/1975. كما تضاعف الإنفاق على المشروعات عدة مرات، خصوصًا في مجالات الاتصالات والتعليم والصحة والبلديات والبنية التحتية.
وفي عام 1975 انطلقت الخطة الخمسية الثانية، التي وضعت برنامجًا إنمائيًا أضخم بكثير من الخطة الأولى، مع توسع كبير في مشروعات الطرق والمطارات والموانئ والمدن والخدمات والتعليم والصناعة.
ونتيجة لذلك بدأت المدن السعودية تتغير بوتيرة سريعة. توسعت المناطق العمرانية، وزاد الطلب على المساكن والأراضي، ونشط قطاع المقاولات، وظهرت فرص جديدة للتجارة والاستثمار والعمل.
لكن سرعة هذه التحولات خلقت في الوقت نفسه تحديات واضحة، من بينها التضخم ونقص بعض المهارات والعمالة المؤهلة وارتفاع الطلب على العقارات والخدمات.
وهنا تصبح تجربة عبدالله الغذامي ذات دلالة خاصة، لأنه شاهد السعودية في مرحلتين مختلفتين: قبل ابتعاثه في بداية السبعينيات، ثم بعد عودته في نهاية العقد.
وبالنسبة إلى الغذامي، لم يكن التغيير اقتصاديًا فحسب، بل كان واضحًا أيضًا في طريقة تفكير الناس وتطلعاتهم وما أصبحوا يتوقعونه من الحياة والتعليم والعمل والمكانة الاجتماعية.
تأثير الطفرة الاقتصادية على المجتمع والثقافة السعودية
كيف غيرت الثروة النفطية أنماط الحياة والطموحات في المجتمع السعودي؟
تتناول شهادة عبدالله الغذامي عن طفرة السبعينيات جانبًا يتجاوز المؤشرات الاقتصادية، وهو أثر الثروة الجديدة على الثقافة الاجتماعية وقيم الناس وطموحاتهم.
عندما ترتفع الدخول وتتوسع الدولة في المشروعات ويزداد الطلب على العقارات والأعمال والخدمات، لا تبقى آثار التحول داخل الاقتصاد فقط. بل تبدأ في تغيير أنماط الحياة اليومية وطرق الاستهلاك وتوقعات الأفراد تجاه المستقبل.
وخلال سنوات الطفرة أصبح التعليم أكثر انتشارًا، واتسعت فرص الابتعاث والعمل الحكومي، وزاد النشاط التجاري، كما شهدت المدن توسعًا عمرانيًا واسعًا.
وكان الغذامي نفسه جزءًا من جيل استفاد من سياسة الابتعاث. فبعد حصوله على البكالوريوس في اللغة العربية عام 1969، ابتُعث إلى جامعة إكستر في بريطانيا، قبل أن يعود حاصلًا على الدكتوراه في 1978. وبعد عودته شارك في النشاط الأكاديمي والثقافي السعودي، وأصبح لاحقًا واحدًا من أبرز الأسماء المرتبطة بالنقد الأدبي والنقد الثقافي في المملكة.
ولهذا ينظر الغذامي إلى التحول من زاويتين متداخلتين: زاوية الشخص الذي عاش تغيرًا اقتصاديًا سريعًا، وزاوية الناقد الثقافي الذي يهتم بما تفعله التحولات المادية بالقيم والسلوك الاجتماعي.
ومن أهم آثار الطفرة اتساع دائرة الطموح الفردي. أصبحت فرص امتلاك العقارات وبدء المشروعات والسفر والتعليم والعمل في المؤسسات الحديثة جزءًا من الصورة الجديدة للحياة.
وفي الوقت نفسه، تغيرت أنماط الاستهلاك نتيجة ارتفاع مستويات الدخل ودخول سلع وخدمات جديدة إلى السوق.
لكن هذا التحول لم يكن متساويًا أو خاليًا من التوترات. فالتغير السريع يخلق عادة فجوة بين أجيال نشأت في ظروف اقتصادية محدودة وأجيال وجدت نفسها في بيئة تتسم بفرص وموارد أكبر.
ومن هنا يمكن فهم حديث الغذامي عن تغير قيم المجتمع السعودي خلال الطفرة باعتباره قراءة شخصية وثقافية لهذه المرحلة، وليس حكمًا موحدًا على جميع فئات المجتمع.
كما ساعد اتساع التعليم والجامعات والابتعاث على ظهور بيئة فكرية جديدة، دخلت فيها نظريات واتجاهات أدبية ونقدية حديثة، وأصبحت الساحة الثقافية السعودية أكثر اتصالًا بالنقاشات الفكرية العربية والعالمية.
وقد أصبح الغذامي نفسه لاحقًا من أبرز الأسماء في هذا المجال، وارتبط مشروعه الفكري بالنقد الأدبي ثم النقد الثقافي ودراسة العلاقة بين النص والمجتمع والأنساق الثقافية.
عبدالله الغذامي وقراءة التحولات الاجتماعية والثقافية بعد الطفرة
لا يمكن فصل تجربة د. عبدالله الغذامي الفكرية عن المرحلة التاريخية التي عاشها. فهو ينتمي إلى جيل شهد المجتمع السعودي قبل الطفرة، ثم عاش سنوات الدراسة خارج البلاد، وعاد في نهاية السبعينيات ليجد مجتمعًا يمر بتحولات اقتصادية واجتماعية واسعة.
ومن خلال هذا الموقع استطاع أن يراقب الفرق بين مرحلتين، وأن يطرح لاحقًا أسئلة تتعلق بالثقافة والحداثة والقيم والمجتمع.
فالثروة النفطية لم تبنِ الطرق والمطارات والمدارس فقط، وإنما أسهمت أيضًا في توسيع دائرة الاحتكاك بالعالم الخارجي. زادت حركة السفر والابتعاث والاستيراد، واتسع التعليم الجامعي، ونشطت المؤسسات الثقافية والإعلامية.
وأصبح المجتمع أمام تحدٍ يتعلق بكيفية الجمع بين التحديث الاقتصادي والتكنولوجي من جهة، والمحافظة على هويته وقيمه الاجتماعية والثقافية من جهة أخرى.
وهي قضية ظهرت بصورة واضحة في النقاشات الثقافية السعودية خلال العقود التالية، خصوصًا مع بروز الجدل حول الحداثة الأدبية والفكرية في الثمانينيات.
وكان الغذامي أحد الأسماء الأساسية في تلك النقاشات، إذ انتقل بعد عودته إلى التدريس في جامعة الملك عبدالعزيز، وأسهم في تأسيس قسم اللغة العربية ومجلة الآداب، ثم انتقل لاحقًا إلى جامعة الملك سعود.
وتوضح تجربته أن آثار الطفرة لا يمكن قياسها فقط بحجم الإيرادات أو المشروعات، لأن التحول الاقتصادي يمكن أن يعيد تشكيل أسئلة الثقافة نفسها.
فالمجتمع الذي ينتقل بسرعة من محدودية الموارد إلى وفرتها يواجه قضايا جديدة تتعلق بالاستهلاك والمكانة الاجتماعية والعمل والتعليم والعلاقة بالعالم الخارجي.
ولهذا فإن حديث الغذامي عن الصدمة التي شعر بها بعد العودة من بريطانيا يمثل مدخلًا لفهم مرحلة أوسع بكثير من تجربة شخص واحد.
كانت طفرة السبعينيات في السعودية لحظة أعادت رسم الاقتصاد والعمران وفرص العمل والتعليم، وفي الوقت نفسه دفعت المجتمع إلى التعامل مع إيقاع سريع من التغيير.
وتؤكد البيانات الاقتصادية حجم هذا التحول؛ فارتفاع عائدات النفط بعد 1970 وفر للدولة قدرة مالية غير مسبوقة على تمويل مشروعات التنمية، بينما صاحب ارتفاع الإنفاق نمو سريع وضغوط تضخمية وتحولات في الأسواق.
ومن خلال شهادة عبدالله الغذامي في برنامج مخيال تظهر هذه المرحلة باعتبارها تجربة اجتماعية وثقافية أيضًا: جيل يعود من الابتعاث، مدن تتوسع، أسعار تتغير، فرص تتزايد، وطموحات جديدة تبدأ في الظهور.
وهكذا تساعد تجربة الغذامي في قراءة تاريخ السعودية في السبعينيات من زاوية تجمع بين الاقتصاد والثقافة والمجتمع، وتوضح كيف يمكن لطفرة مالية كبرى أن تؤثر في تفاصيل الحياة اليومية، ثم تمتد آثارها إلى الأجيال التي جاءت بعدها.